طارق عامر يشرح كيف تشتري الدولار بجنيه؟!

وسط اختفاء السوق السوداء الجشعة، وهبوط سعر الدولار في البنوك لأكثر من 3 جنيهات خلال أسبوعين، وتخفيض سعر الدولار الجمركي، الذي يتم من خلاله تحديد قيمة جمرك كل سلعة مستوردة من الخارج، استمرّت أزمة ارتفاع الأسعار في السوق المصرية، خاصة السلع الغذائية، لتوجه صدمة جديدة لأحلام وآمال المواطن البسيط في حياة عادلة.

-

-


متوسطة دُهست تحت وطأة التعويم والتضخم، ومعركة بين الجنيه والدولار، أشبه بماتش ملاكمة بين خصمين في ساحة القتال، يحاول كل منهما الانتصار على الآخر، مستخدمًا «الضربة القاضية»، لينزفا معًا على «جثة» مواطن مصري لا يملك ثمن تذكرة المباراة.

بدأت الأزمة مع شح العملات الأجنبية في مصر، وتراجع موارد السياحة، ونقص الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتراجع إيرادات الصادرات، وزيادة فاتورة الواردات، وانخفاض تحويلات المصريين بالخارج، لتتدخل الحكومة، ممثلة في البنك المركزي، بقرار تعويم الجنيه، في نوفمبر الماضي، فضلاً عن الاقتراض من المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، لتلبية احتياجات البلاد من العملة الصعبة.

انتقلت الأزمة للأسواق سريعًا ليرتفع معدل التضخم، في يناير الماضي، لنحو 30%، وقامت وزارة التموين برفع أسعار السلع المدعمة، ليصل كيلو السكر التمويني لـ8 جنيهات، والزيت المدعم إلى 12 جنيهًا.

الحكومة شاركت مع التجار في معركة دهس محدودي الدخل، بينما اكتفت وزارة التموين بالإعلان عن قوائم استرشادية للسلع، في إجراء «لا يسمن ولا يغني من جوع»، متناسين ضبط الأسواق وقوائم الزيادة في أسعار اللحوم والخضار والفاكهة من جانب التجار الجشعين، فأبسط قواعد الإدارة الرشيدة «ابدأ بنفسك».

البنك المركزي، دخل إلى الأزمة بطريق مباشر، فمحافظ البنك، طارق عامر، صرح بأن سعر الدولار سينخفض إلى 4 جنيهات بعد تقوية البورصة التي ستساهم بدورها في زيادة التدفقات المالية، لينفي «عامر» التصريحات السابقة، خلال لقاء تليفزيوني، منذ يومين، قائلًا: «حديثي عن الدولار بـ4 جنيهات، كانت نكتة، والشعب المصري بيحب النكتة!!».

أما قطاع البنوك فطاله أيضًا شرر الأزمة بعد تصريحات صحفية سابقة لطارق عامر حول تخفيض قيمة الجنيه، حيث ربط متعاملون في السوق بين الزيادات السريعة للعملة وتلميحات طارق عامر، محافظ البنك المركزي، بتعويم الجنيه، أثناء لقائه أعضاء لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، ما تسبب في صناعة السوق الموازية «السوداء» للدولار لتمثل تحديًا قويًا أمام أسعار الصرف للعملات الأجنبية بالبنوك.

السبب الرئيسي للأزمة يرجع لأربعة شهور مضت مع قرار البنك المركزي بـ«تعويم الجنيه»، في نوفمبر الماضي، دون إجراءات مسبقة من الحكومة لحماية محدودي الدخل والطبقة المتوسطة من توابع التعويم والتضخم، مما دفع عددًا كبيرًا من المواطنين للاستغناء عن احتياجاتهم الأساسية.

تصريحات طارق عامر عن سعر الدولار ليست هي الأولى من نوعها، كما أنّ قرار التعويم ليس هو الأول الذي يقوم به البنك المركزي؛ حيث قامت الحكومة في عهد الدكتور عاطف عبيد، بتعويم الجنيه، في يناير 2003، ما تسبب وقتها في ارتفاع سعر الدولار بنسبة اقتربت من 50%، ليسجل ارتفاعًا من 3.70 قرشًا إلى 5.35 جنيه، ولم تستطع الحكومة وقتها من إتمام عملية التعويم بشكل كامل واكتفت بـ«التعويم المدار»، برغم أن «المركزي» كان يمتلك حينها احتياطيًا أجنبيًا أكثر استقرارًا من الآن.

الغريب أيضًا أنه على الرغم من انخفاض سعر الدولار حاليًا لأكثر من 3 جنيهات خلال أسبوعين، إلا أنه لم تنخفض الأسعار مع أن التجار يبررون ارتفاع الأسعار في السوق المصرية بارتفاع الدولار.

بعيدًا عن حالة الصمت الحكومي اتجاه الأزمة، واتهام التجار بإشعالها، فإنّ الفرصة مازالت قائمة لعودة الأسعار إلى طبيعتها من خلال قيام الحكومة، ممثلة في وزارة التموين، بخفض أسعار السلع المدعمة على البطاقات التموينية، وفي منافذ «جمعيتي» على مستوى الجمهورية، مع تحديد هامش ربح ثابت للتجار، ووضع قوائم أسعار إجبارية للسلع المختلفة.

لكن يبقى السؤال: ما رد فعل مستثمر أجنبي عندما يقرأ تصريحات طارق عامر الذي يعتبر أكبر مسؤول مصرفي بالدولة، ونفيه في الوقت نفسه لها.. هل يأتي لمصر بعدها.. حتى وإن حلف بأغلظ الأيمان أن الدولار الأمريكي يُباع في مصر بجنيه؟!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 + 18 =

DMCA.com Protection Status