الجنيه بين قوة الدولار وخطر ضعف الاقتصاد المصري

فى بداية هذا الموضوع يجب علينا أولاً التعرف على الكيفية التي تسير بها الأمور المتعلقة بسعر صرف الجنيه أمام العملات الأخرى، وكيف يتم تحديد هذا السعر، ومتى تنخفض قيمة العملة ومتى ترتفع، ومن المسؤول عن إدارة هذا الجزء من الاقتصاد، وما تأثير الارتفاع أو الانخفاض على مجريات الأمور داخل الدولة. ولماذا يوجد سوق رسمي وآخر غير رسمي للعملة، وما هو الاحتياطي النقدي، وكيف يؤثر على قيمة العملة.

-

-


نوضح بعض هذه الأمور وغيرها في الأسطر القليلة القادمة محاولين أن تكون قليلة المباني كثيرة المعاني، وإلا فالمسألة لا يسعها صفحات على صفحات.. على أن يكون الإسقاط على الحالة المصرية.

الاحتياطي النقدي

نستهل هذا الأمر بتوضيح ماهية “الاحتياطي النقدي” ليكون هو نقطة الانطلاق في هذا البيان، والذي كثيراً ما نسمع بشأنه حينما يتعلق الأمر بسعر صرف العملة مقابل العملات الأخرى.

كل دولة لديها ما يسمى “احتياطي نقدي أو أجنبي” أو من المفترض أن يكون، ويحتوي هذا الاحتياطي على كمية من النقد الأجنبي وخصوصاً العملات الرئيسية مثل الدولار واليورو والين، بالإضافة إلى الذهب.

هذا الاحتياطي بمثابة الدرع الواقي للدولة في مواجهة الأزمات، وهو مؤشر لثقة باقي الدول في اقتصاد هذه الدولة “والذي غالباً يكون في شكل تصنيف ائتماني”. فكلما كبُر حجم هذا الاحتياطي زادت الثقة في اقتصاد الدولة، لأنه بذلك يعُد مؤشراً على قدره الدولة على تسديد ديونها والوفاء بالتزاماتها المختلفة في مواجهة الدول الأخرى، وكذلك يعني قدرتها على الدفاع عن عملتها.

والعكس بالعكس كلما انخفض حجم هذا الاحتياطي، أصبح اقتصاد الدولة عرضه للأزمات والمشاكل الاقتصادية المختلفة، وبالتالي تتراجع ثقة الدول والمؤسسات الأخرى في اقتصاد هذه الدولة، ومن ثم تتضاءل قدرتها على الوقوف بجانب عُملتها إذا ما تعرضت للضغوط.

أما مقدار هذا الاحتياطي فيتفاوت وفقاً لحجم اقتصاد الدولة وثِقله، وإن اتفق معظم الاقتصاديين على أنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يقل حجم الاحتياطي النقدي للدولة عما يوازي مقابل ثلاثة أشهر من الواردت السلعية لهذه الدولة، بمعنى أنه إذا كانت وارادت الدولة من السلع الأساسية كالقمح وغيرها تُقدر بمبلغ مليون دولار شهرياً مثلاً، فإنه لا ينبغي أن يقل الاحتياطي النقدي عن 3 ملايين دولار، وإلا عُد اقتصاد الدولة في أزمة حقيقية.

ومن المهام الرئيسية لهذا الاحتياطي النقدي بخلاف مهامه الأخرى كالإنفاق على الواردات السلعية للدولة أو دفع الديون وخدمة الديون… هو مهمة الحفاظ على عملة الدولة في مقابل العملات الأخرى.

ماذا يعني هذا الأمر؟

الاقتصاديات التي تتبنى سياسة السوق المفتوح – أو تلك التي تدعي ذلك كالاقتصاد المصري – تتبع نظام صرف مرن، بمعنى أن قيمة عملتها يتحدد وفقاً لسياسة العرض والطلب بين عملتها والعملات الأجنبية كالدولار.

إذن من المسؤول في الدولة عن إدارة مسألة سعر الصرف؟ البنك المركزي هو الذي يتحكم في هذه المسألة ويديرها إدارة كاملة.

إلا أنه لا يوجد على أرض الواقع نظام سعر صرف مرن بشكل كلي، فدائماً تضع البنوك المركزية للدول أعينها على عملة بلدانها، وتتدخل من آن لآخر للحفاظ على معدل تريده هي لعملتها مقابل العملات الأخرى، أو بمعنى أدق تترك لعملتها التحرك في نطاق معين ارتفاعاً أو انخفاضاً، فإذا خرجت عن هذا النطاق تتدخل على الفور.

إذن كيف يتدخل البنك المركزي للوقوف بجوار عملته؟

يتدخل بائعاً أو مشترياً للعملة مقابل العملات الأجنبية وذلك من خلال الاحتياطي النقدي الذي تحدثنا عنه آنفاً.

وبالتطبيق على الحالة المصرية فإن حجم الاحتياطي النقدي كان قد بلغ بنهاية شهر أغسطس الماضي حوالي 18 مليار دولار، وبلغ سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار آنذاك في السوق الرسمي 7.80 جنيه لكل 1 دولار، وفي السوق الموازي أو السوق السوداء بلغ تقريباً نفس القيمة أو بفارق ثلاثة أو خمسة قروش تقريباً. وتشير هذه الأرقام إلى أن رصيد مصر من النقد الأجنبي آنذاك لا بأس به، ومن ثم كان يمتلك البنك المركزي القدرة الكبيرة للتدخل ودعم الجنيه أو لتلبية الطلب على الدولار في أي وقت، وبالتالي كان السعر الرسمي والسعر في السوق الموازي تقريباً بنفس القيمة.

أما اليوم فقد بلغ حجم الاحتياطي النقدي المصري حوالي 16 مليار دولار بواقع صافي 12 مليار دولار عملة والباقي إما ذهباً أو حقوق سحب خاصة. كما أن سعر الصرف بلغ 8.95 جنيه لكل 1 دولار، وسعر في السوق الموازية بلغ 9.15 جنيه لكل 1 دولار للبيع بعد أن تجاوز ال 10 جنيهات من أيام قليلة.

وتشير هذه الأرقام الى أن الاحتياطي النقدي فقد من حجمه حوالي 2 مليار دولار، وأن قيمة الجنيه المصري قد انخفضت بشكل رسمي بأكثر من 15% خلال ال 7 أشهر الماضية. كما برز سعر آخر للدولار في السوق الموازية.

وبالتالي فرؤية المشهد بشكل أوسع تدلل على عجز البنك المركزي عن توفير الدولار، وبالتالي عدم قدرته على الوقوف بثبات بجوار الجنيه المصري، وذلك بعد انخفاض حجم الاحتياطي النقدي.

هذا العجز هو ما يولد سعراً آخر للدولار في السوق الموازية “والتي تعبر عن القيمة الحقيقية لأسعار صرف العملات وفقاً لقانون العرض والطلب”، وبمقدار هذا العجز يكون الفارق بين السعر الرسمي والسعر غير الرسمي.

متى يلجأ البنك المركزي للتخفيض

فعندما يحدث زيادة في الطلب على الدولار، فما الإجراء الطبيعي الذي ينبغي على البنك المركزي اتخاذه؟ بالطبع التدخل بائعاً للدولار ملبياً لهذه الزيادة في الطلب وإلا ارتفع سعره أمام الجنيه. أما في حالة كونه لا يملك كمية من الدولار تمكنه من التدخل باستمرار فإنه يلجأ الى الحل الآخر وهو التخفيض الرسمي لقيمة الجنيه مقابل الدولار، مثلما فعل البنك المركزي المصري بالأمس حيث قام بالإجراءين معاً، فقد ضخ/باع حوالي 300 مليون دولار، كما خفض قيمة الجنيه بمقدار 14.5% في العطاء الأخير الذي بلغ حوالي 200 مليون دولار. وعلى إثر هذين الإجراءين تراجع الدولار في السوق الموازية ليقترب من السعر الرسمي مرة أخرى.

ما سبق يثير العديد من التساؤلات ويطرح الكثير من التكهنات حول المستقبل.

فماذا يعني تخفيض قيمة الجنيه المصري بنسبة 14.5%؟

الصادرات والواردات، والاستثمارات الأجنبية

بشكل مجرد فإن تخفيض قيمة العملة يأتي بالفائدة على الصادرات لأنه يعزز قدرتها التنافسية في جانب الأسعار، وكذلك يشكل عامل جذب للاستثمارات الأجنبية في حالة توافر عوامل أخرى كالاستقرار السياسي، وسهولة القوانين المنظمة للاستثمار، والمنظومة الضريبية الجيدة، وارتفاع معدل الشفافية في القطاعين الحكومي والخاص.

ولكنه يضر بالواردات لأن المستورد سوف يضطر إلى دفع مبلغ أكبر من الجنيهات لتحويله الى دولارات من أجل الاستيراد، فإذا كان يستورد بمبلغ مليون دولار مثلاً، وبالتالي كان يدفع في السابق 8 مليون جنيه تقريباً، إلا أنه الآن بعد هذا التخفيض مضطر إلى دفع مبلغ 9 مليون جنيه وبالتالي ارتفع المبلغ بمقدار مليون جنيه ليحصل على مليون دولار. وبالطبع يقوم بتحميل هذه الزيادة إلى سعر السلعة، ليتحملها المستهلك في آخر الأمر، وبالتالي ترتفع معدلات التضخم بنسبة كبيرة الفترة القادمة.

أما أن هناك عجز في الميزان التجاري المصري، أي أن قيمة الواردات أعلى من قيمة الصادرات، كما أن جزءاً كبيراً من الصادرات عبارة عن مواد أولية … بالتالي فإن هذا التخفيض يفاقم عجز الميزان التجاري.

كما أن عوامل جذب الاستثمارات الأجنبية غير مكتملة، وهو ما ظهر جلياً بعد مرور عام على انعقاد مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي … وبالتالي الفائدة في هذه الجزئية ستكون محدودة.

حالة الدين الخارجي

كما يترتب على هذا التخفيض ارتفاع الدين الخارجي للدولة، لأنها سوف تضطر الى دفع مبلغ أكبر من ذي قبل حتى يتم مبادلته بالدولار من أجل سداد الديون أو خدمة الدين.

فإذا كانت الدولة مدينة بمبلغ مليار دولار مثلاً، والذي كان يعادل قبل التخفيض تقريباً 8 مليار جنيه، أصبح يعادل 9 مليار جنيه بعد التخفيض.

انخفاض القوة الشرائية

كذلك يعني تخفيض قيمة الجنية بنسبة 14.5% أن القوة الشرائية للجنيه انخفضت بنفس القيمة مرة واحدة، وهو ما يتجاوز ما يفعله معدل التضخم في عام كامل، وبالتالي تآكلت قيمة المدخرات بنفس النسبة دفعة واحدة، فمن كان يملك قبل أمس مبلغ ألف جنيه مثلاً أصبحت القيمة الحقيقية لهذا المبلغ اليوم حوالي 855 جنيه تقريباً … قِس على ذلك الفوائد على الإيداعات سواء في البنوك أو المشروعات القومية المختلفة، وكذلك الرواتب بالجنيه المصري.

رب ضارة نافعة

وبالتالي ينبغي على الحكومة المصرية أن تستفيد من هذا التخفيض بقدر الإمكان من خلال تنشيط الصناعة وخلق بيئة صالحة لهذا الأمر، كما ينبغي عليها العمل جدياً وتذليل الصعوبات التي تعرقل تدفق الاستثمارات بأفعال وإجراءات حقيقية على الأرض. كما ينبغي عليها العمل على تعافي قطاع السياحة بأقصى سرعة ممكنة، حيث أن هذا التخفيض في قيمة العملة يشكل عاملاً مغرياً للسياح، ولكن بالطبع ليس أكثر من حفاظهم على سلامة أنفسهم.

إذن يمكننا القول إن المحصلة النهائية لهذا التخفيض هي إفراز النتائج السلبية … أليس البنك المركزي على علم بهذه الأمور، فلم قام بهذا الإجراء؟

بالطبع يعلم هذه الأمور جيداً، ولكنه لم يقم بالتخفيض بدافع تشجيع الصادرات أو جذب الاستثمارات، ولكنه أُجبر على هذا التخفيض لعدم قدرته على مسايره الطلب على الدولار.

إذا كان الأمر كذلك فالمسؤولية إذاً تقع على عاتق البنك المركزي؟

في الواقع جزء كبير مما يحدث حالياً لا يجب أن يتحمله البنك المركزي، لأنه مجرد جهاز يضبط إيقاع السياسة النقدية للدولة والتي منها أسعار الصرف، وفقاً لما يمتلكه من موارد والتي هي نتاج السياسات الاقتصادية الكلية للدولة بما يندرج تحتها من معدل النمو الاقتصادي، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، وإدارة قنوات التدفقات الدولارية كالسياحة وقناة السويس، والديون وخدمة الديون … إلخ.

 إذن ألا يعد هذا التخفيض “تعويماً للجنيه المصري”؟

في الواقع هذه العبارة التي نسمعها ونقرأ عنها كثيراً في غضون ما يحدث الآن … يشوبها عدم الدقة. لأن اصطلاح “تعويم العملة” يعني رفع يد البنك المركزي عن العملة بشكل كلي ليتركها تتحرك بكامل حريتها وفقاً لقانون العرض والطلب … وهو ما لم يحدث ولن يحدث إلا في حالة فقد البنك المركزي السيطرة بشكل كلي، واستنفد كافة ما يملكه من أدوات، وهي غالباً تكون مقدمة لأزمة مالية كبيرة تعصف باقتصاد الدولة وربما تجبرها على الإفلاس، مثلما حدث في تايلاند في منتصف عام 1997 كبداية للأزمة المالية الآسيوية الشهيرة، ولكن هذا السيناريو الكئيب بعيد بدرجة كبيرة عن الحالة الراهنة.

ولكن ما يحدث هو أن البنك المركزي المصري يحاول أن يقترب بالسعر الى السعر العادل أو سعر العرض والطلب، حتى يضمن الاستقرار في أسواق النقد الفترة القادمة بما في ذلك تقليل الفارق بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء. وحتى لا يلجأ الى المزيد من استنزاف الاحتياطي النقدي.

ولكن ألا يُعد نجاحاً للبنك المركزي حيث أجبر الأسعار على التراجع في السوق الموازية لتقترب من السعر الرسمي؟

في الواقع ربما يشكل انتصاراً مؤقتاً ويحقق ما يصبوا إليه من استقرار في الأسواق في الأجل القصير، ولكن من السذاجة والحُمق أن نعتقد أن الأمر مرهون بتخفيض أو رفع قيمة العملة، أو مرهون بطرح أو عدم طرح النقد الأجنبي في الأسواق.

ولكن المعضلة الحقيقية هناك حيث “حجم الاحتياطي النقدي”، هذا الحجم هو ما سوف يعكس كيف تسير الأمور، وهو اللاعب الأساسي والمتحكم الأول في مجريات الأمور، لينشأ استفهام تلقائي حول من المسؤول عن صحة هذا اللاعب من الأساس … بالضبط، حالة الاقتصاد بشكل كلي، وهي المعركة الأعظم التي يتوقف عليها حرفياً كل شيء.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twelve − 7 =

DMCA.com Protection Status