دمياط.. صناعة السفن تتراجع بعد تسريح العمالة وارتفاع الأسعار 300٪

تعد صناعة السفن واحدة من الصناعات العريقة التى عرفتها مصر، واشتهرت بها محافظة دمياط التى تخصص أبناؤها فى صناعتها ببراعة، وبدأت هذه الصناعة منذ القدم باستخدام نبات البردى كمادة خام، ثم الأخشاب بعد ذلك، إلى أن صارت حرفة مستقرة، وبرع أبناء مدينة عزبة البرج فى دمياط فى صناعتها لما تتميز به من المتانة والجمال وحسن التصميم، ويبلغ عدد ورش صناعة السفن حالياً نحو 15 ورشة، يعمل بها 1000 شخص؛ بين نجارين وحدادين ولحامين وعمال دهان، وتتراوح مساحة الورشة الواحدة ما بين 1000 متر حتى 4000 متر تقريباً.

-

-


«مفيش شغل والعمال اتسرحت والحالة واقفة»، تلك هى الجملة التى باتت تتردد على ألسنة العاملين بصناعة المراكب، الذين سيطرت حالة من الغضب عليهم بسبب ارتفاع أسعار الخامات المستخدمة فى صناعتهم بنسبة تتراوح بين 200 إلى 300%، بعد قرار الحكومة بتحرير سعر الصرف، وهو ما دفع أصحاب الورش لتسريح العشرات من العمال، حتى بات العديد من أبنائها يبحثون عن مهن أخرى تعينهم على ظروف المعيشة القاسية بعدما ضاق بهم الحال، وباتوا عاجزين عن تدبير قوت يومهم.

أصحاب المراكب يتراجعون عن إجراء الصيانة الدورية كل 6 أشهر.. والتجار استغلوا «تعويم الجنيه» لرفع أسعار الخامات.. وأصحاب الورش يعرضونها للبيع بعد عجزهم عن الاستمرار فى المهنة

وبنبرة حزينة يقول محمود على، أحد الصناع: «الحالة نايمة والوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فالأسعار فى ارتفاع مستمر، حيث زادت أسعار الخامات المستخدمة فى الصناعة بنسبة تتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف؛ وهو ما دفعنى للتوقف عن العمل بعد الانتهاء من الخامات التى قمت بشرائها قبل زيادة الأسعار»، مضيفاً: «الأسعار زادت بصورة جنونية مما أثر سلبياً على صناعة السفن التى يعمل بها الآلاف من العمال، وهو ما بات يهدد بتسريحهم خاصة بعدما توقفت التعاقدات على صناعة سفن جديدة».

وناشد «محمود» المسئولين سرعة التدخل لخفض أسعار الخامات، وفرض رقابة على تجار الخامات، والعمل على إنقاذ المهنة العريقة التى يشتغل بها الآلاف من الانهيار، مشيراً لقيام عدد من أصحاب ورش صناعة السفن بعرض ورشهم للبيع بعدما عجزوا عن الاستمرار فى المهنة التى توارثوها أباً عن جد، حتى قاموا بتسريح العمالة بعد عجزهم عن دفع أجورهم.

على مقعد خشبى، يجلس محمد السيد، لحام مراكب، أمام أحد المراكب يتفنن فى لحام قطعه واحدة تلو الأخرى، ويتذكر الــ25 عاماً التى قضاها فى المهنة منذ أن كان شاباً يافعاً، مردداً: «لم نعد قادرين على تدبير لقمة عيشنا؛ فلا معاش ولا تأمين، والمهنة على «كف عفريت»، وأسعار الخامات ارتفعت بصورة لا يمكن تقبلها، حتى تراجعت الصناعة خلال الشهور الأخيرة بصورة غير مسبوقة، وتراجع أصحاب المراكب عن صيانتها الدورية المقررة كل 6 أشهر، وباتوا يرغبون فى إجرائها كل 18 شهراً، وانخفضت نسبة الإقبال علينا بنحو40%»، وطالب «السيد» المسئولين بالتدخل لخفض أسعار الخامات والرقابة على الأسواق كى يتمكن الصناع المهرة من الاستمرار فى العمل ولا تندثر الحرفة كغيرها من الحرف.

ويلتقط أحمد محمد، 35 عاماً، طرف الحديث، قائلاً: «ما نشهده من ارتفاع أسعار حالياً لا يمكن تبريره؛ فالتجار استغلوا أزمة تحرير سعر الصرف ورفعوا الأسعار بصورة جنونية، فارتفعت الخامات المستخدمة فى التصنيع لأكثر من 200%»، مطالباً الجهات الرقابية المعنية فى الدولة بالتدخل وإنقاذ العاملين فى المهنة من جشع التجار، مضيفاً: «توقفت عن العمل منذ أشهر، وسرحت 8 عمال، وفكرت فى ترك المهنة التى قضيت فيها 22 عاماً من عمرى، ولكن لم أجد الأفضل»، واستطرد: «عزف الزبائن عن التعاقد معنا على صناعة المراكب، واكتفوا فقط بأعمال الصيانة التى باتت تشهد هى الأخرى تراجعاً غير مسبوق».

وأمام أحد المراكب يجلس محمد السبمسكانى، نجار، ممسكاً بأدوات المهنة بيد وسيجارة فى الأخرى، يلتقط أنفاسه من تعب العمل ويتذكر المهنة التى توارثها عن أجداده حينما كانت فى مجدها مردداً: «ربنا يعيدها أيام»، فيما ارتسمت علامات الحسرة على وجهه، مضيفاً: «تراجع الإقبال على صناعة السفن بنحو 70%، وهو ما لم نشهده من قبل، بعدما ارتفعت أسعار الخامات، وبتنا فريسة فى أيدى تجار جشعين لا يعرفون الرحمة، وتابع: «رغم ذلك لا يمكننا التراجع عن التعاقدات المبرمة قبل ارتفاع الأسعار، حتى بتنا نتحمل الخسارة كاملة، دون أن نملك السيولة اللازمة للاستمرار فى المهنة التى باتت تواجه شبح الانهيار».

وناشد الدولة سرعة التدخل لإنقاذ الآلاف من التشريد، مضيفاً: «التجار استغلوا الأزمة وخزنوا أخشاب التصنيع فى مخازنهم كى يرفعوا الأسعار يوماً تلو الآخر بحجة الدولار»، ويقول صلاح السمبسكانى، مالك أكبر ترسانة بحرية لتصنيع السفن بمدينة عزبة البرج، لــ«الوطن»: «توارثت المهنة أباً عن جد، وارتفاع أسعار الخامات بات مشكلة كبيرة لا يمكن حلها، ولم يعد الأمر قاصراً على الحديد والأخشاب فحسب، بل كافة خامات الصناعة التى ارتفعت بنسبة كبيرة»، واستطرد: «ما أنقذنى من مصير زملاء مهنتى أن تعاملاتى كلها كانت بالدولار، أما من يتعاملون بالجنيه هم من يواجهون الأزمة الحقيقية، حيث تراجع الزبائن عن تصنيع المراكب، ووصل الأمر لتراجع ملاك المراكب عن عمل الصيانة الدورية المقررة كل 6 أشهر، وترددت أقوال عن رغبتهم فى إجرائها كل عام ونصف ترشيداً للنفقات»، مضيفاً: «قمت برفع أجور العمالة من 15 لـ20% بعد ارتفاع الأسعار».

أمام عشرات المراكب، جلس أبوالمعاطى محمد، 60 عاماً، يرشف قهوته ويتسامر مع صديق عمره عن أوضاع المهنة التى تراجعت للوراء، مردداً: «أعمل منذ 47 عاماً فى صناعة المراكب، والآن تبدل الأمر ولم تعد المهنة كما كانت عليه فى الماضى بعدما ارتفعت أسعار الخامات، وتراجع المتعاقدون عن اتفاقهم معنا بتصنيع مراكب حديثة، مما دفعنى لتسريح 50% من العمالة، والنسبة المتبقية باتت مهددة بالتشريد فى أى لحظة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

nineteen − thirteen =

DMCA.com Protection Status